لماذا تفشل المشاريع رغم الخطط الممتازة؟ الدليل العلمي لإدارة المخاطر قبل فوات الأوان

2 views

كان المشروع يسير بشكل مثالي على الورق. خطة محكمة، فريق متحمس، ميزانية وافية، وجدول زمني دقيق يُحسد عليه. ثم في الأسبوع العاشر، بدأت الأمور تنهار بهدوء مُخيف: موردٌ رئيسي تأخر في التسليم، عضو في الفريق استقال فجأة، ومتطلبات العميل تغيرت في اللحظة الأخيرة. بحلول الأسبوع الخامس عشر، أصبح المشروع الذي كان نموذجًا للتنظيم مثالًا للفشل المؤلم.

هذا السيناريو ليس استثناءً، بل هو القاعدة. ودراسة شهيرة أجرتها مؤسسة Project Management Institute وجدت أن المنظمات تخسر في المتوسط 97 مليون دولار لكل مليار دولار تستثمره في المشاريع بسبب ضعف إدارتها. السؤال الحقيقي ليس "هل ستواجه مشروعك مخاطر؟" بل "هل أنت مستعد لها قبل أن تظهر؟"


الوهم الأكبر في إدارة المشاريع: "لدينا خطة جيدة"

ثمة نمط متكرر يراه كل مدير مشاريع محترف: الفرق التي تُنفق أسابيع في صياغة خطة مفصلة رائعة، ثم تتعامل مع هذه الخطة كأنها وثيقة مقدسة لا تتغير. المشكلة أن الخطة مهما كانت ممتازة هي افتراضات عن المستقبل، والمستقبل لا يلتزم بافتراضاتك.

الجنرال الأمريكي الشهير دوايت أيزنهاور قال جملته التاريخية: "الخطة لا شيء، لكن التخطيط هو كل شيء." قصد بذلك أن قيمة الخطة لا تكمن في الوثيقة المكتوبة، بل في عملية التفكير المنهجي التي أنتجتها، لأن هذا التفكير هو ما يُمكّنك من التكيف حين تتغير الأمور.


تشريح فشل المشاريع: أين تكمن الجروح الحقيقية؟

تكشف الأبحاث أن أسباب فشل المشاريع تتكرر بشكل لافت عبر الصناعات والثقافات والقارات:

النطاق الزاحف (Scope Creep) هذا هو القاتل الصامت رقم واحد في عالم إدارة المشاريع. يبدأ صغيرًا: "أضيفوا لنا ميزة صغيرة هنا"، "غيّروا هذا التصميم قليلًا"، "أضيفوا تقريرًا إضافيًا". كل طلب منفرد يبدو تافهًا، لكن مجموعها يُحوّل مشروعًا كان يستغرق ثلاثة أشهر إلى مشروع بلا نهاية واضحة. الحل ليس رفض كل تغيير، بل وجود عملية رسمية لتقييم أثر كل تغيير على الجدول والميزانية قبل الموافقة عليه.

التواصل الهشّ داخل الفريق دراسة أجرتها شركة Towers Watson وجدت أن الشركات التي تتميز بتواصل داخلي فعال تحقق عوائد للمساهمين أعلى بنسبة 47% من منافسيها. في سياق المشاريع، التواصل الضعيف يعني أن المطور يبني شيئًا يختلف عما تصوّره المصمم، وأن مدير المشروع يكتشف المشكلة في اليوم الأخير لا في اليوم الأول.

التفاؤل المفرط في التقديرات علماء النفس يُسمّون هذه الظاهرة "مغالطة التخطيط": ميلنا الفطري لتقدير الوقت والتكلفة بتفاؤل مبالغ فيه، متجاهلين أن كل مشروع مررنا به في الماضي استغرق أطول مما خططنا له. الحل الذكي هو إضافة هامش احتياطي مدروس، يُعرف بـ"الاحتياطي الطارئ"، يتراوح بين 10% و20% من إجمالي الوقت والميزانية.

غياب الراعي التنفيذي الفعّال المشاريع التي تفتقر إلى راعٍ تنفيذي فعلي يدعمها ويُزيل العقبات أمامها تفشل بنسب أعلى بكثير من تلك التي تحظى بدعم قيادي حقيقي. الراعي التنفيذي ليس مجرد اسم على وثيقة الموافقة، بل شخص يحضر اجتماعات التحديث الرئيسية ويتدخل حين يتجمد المشروع في متاهات بيروقراطية.


منهجية إدارة المخاطر: من الاكتشاف إلى الاستجابة

إدارة المخاطر ليست تشاؤمًا أو بثًا للهلع في الفريق، بل هي نضج مهني وتفكير استراتيجي. إليك الإطار العملي المتبع في أفضل فرق إدارة المشاريع عالميًا:

المرحلة الأولى: تحديد المخاطر في بداية كل مشروع، خصّص جلسة مُركّزة مع الفريق الأساسي وأصحاب المصلحة الرئيسيين بهدف واحد: "ما الذي يمكن أن يسوء؟" لا تحكم على أي فكرة في هذه المرحلة. المخاطر التقنية، والبشرية، والخارجية، والمالية، وتلك المتعلقة بالعملاء، كلها تستحق أن تُذكر وتُسجَّل.

المرحلة الثانية: التقييم والترتيب ليست كل المخاطر متساوية. قيّم كل خطر على محورين: احتمالية وقوعه، وحجم تأثيره إذا وقع. المخاطر ذات الاحتمالية العالية والتأثير الكبير هي أولويتك القصوى. يمكنك رسم مصفوفة بسيطة 3×3 تضع فيها كل خطر في خانته المناسبة.

المرحلة الثالثة: وضع خطط الاستجابة لكل خطر رئيسي، حدد مسبقًا: هل ستتجنبه بتغيير نهجك؟ أم ستخففه بتقليل احتماليته أو أثره؟ أم ستنقله لطرف ثالث كشركة تأمين أو مورد بديل؟ أم ستقبله والتزمت بمراقبته؟ وجود هذه الخطط المكتوبة مسبقًا يُقلص زمن الاستجابة من أيام إلى ساعات حين يقع المحظور.

المرحلة الرابعة: المراقبة المستمرة سجل المخاطر ليس وثيقةً تُكتب مرة وتُنسى. راجعها في كل اجتماع دوري، وأضف مخاطر جديدة ظهرت، واحذف تلك التي تجاوزتها، وحدّث تقديراتك مع تطور المشروع.


الاجتماعات القاتلة للمشاريع: وكيف تُحوّلها إلى وقود للتقدم

دراسة أجرتها Microsoft على أكثر من 38,000 موظف وجدت أن 71% منهم يعتبرون الاجتماعات غير المنتجة من أكبر مُضيّعات الوقت في العمل. في سياق المشاريع، الاجتماعات السيئة لا تضيّع الوقت فحسب، بل تقتل الزخم وتُحبط الفريق.

الاجتماع الفعّال لإدارة المشاريع يلتزم بثلاثة مبادئ: له هدف واضح مُعلن مسبقًا، وحضور المطلوبون فقط لا الجميع، وينتهي بقرارات وإجراءات مُحددة بأصحابها ومواعيدها. الاجتماع الذي يُقدم فيه الجميع تحديثاته دون أن ينتهي بأي قرار هو اجتماع يمكن استبداله بريدًا إلكترونيًا موجزًا.


أجايل vs. واترفول: معركة المنهجيات التي تحتاج أن تفهمها

المنهجية التقليدية "Waterfall" أو الشلالية تفترض أنك تعرف كل شيء في البداية: تُصمم بالكامل، ثم تُطوّر بالكامل، ثم تختبر بالكامل، ثم تُسلّم. هذا يعمل جيدًا حين تكون المتطلبات ثابتة ومحددة كمشاريع البناء والبنية التحتية.

أما في المشاريع التقنية والإبداعية حيث تتطور المتطلبات وتتغير، فمنهجية "Agile" أو الرشيقة أثبتت تفوقها بوضوح. فكرتها الجوهرية بسيطة: بدلًا من تسليم كل شيء دفعةً واحدة بعد أشهر، سلّم أجزاءً صغيرة قابلة للاستخدام كل أسبوعين (Sprint)، احصل على تغذية راجعة حقيقية من العميل، وعدّل مسارك قبل أن تكون قد استثمرت كل مواردك في اتجاه خاطئ.

الاختيار بين المنهجيتين ليس عقيديًا بل براغماتيًا: اعرف طبيعة مشروعك وحدة تغيّر متطلباته قبل أن تختار أداتك.


المؤشرات التحذيرية التي يتجاهلها معظم مدراء المشاريع

بعض الإشارات التي تبدو صغيرة هي في الحقيقة إنذارات مُبكرة لكارثة قادمة:

حين يتوقف أحد أعضاء الفريق عن رفع التحديثات في الأدوات المشتركة، هذا لا يعني أنه مشغول فحسب، بل كثيرًا ما يعني أنه يخفي تأخرًا يخجل من الإعلان عنه. الثقافة الأمنة نفسيًا التي تُشجع على الإفصاح المبكر عن المشكلات هي من أهم ما يبنيه مدير المشروع الناجح.

حين يُصبح اجتماع مُراجعة العميل روتينيًا يمر دون أسئلة أو ملاحظات، هذا ليس مؤشرًا على رضاه بل في الغالب مؤشر على فقدانه الاهتمام، وهذا أخطر.

حين تبدأ المهام "المنجزة" تعود للفريق بتعديلات متكررة، هناك مشكلة في تعريف معيار الإنجاز تحتاج إلى معالجة فورية.


نصائح للمدير الذي يريد أن يختلف

إذا كنت تقود مشروعًا الآن أو تستعد لذلك، هذه الممارسات يمكنها أن تُحدث فارقًا حقيقيًا: خصص أول ساعتين من كل أسبوع لمراجعة المخاطر وتحديث سجلها، فهذا الاستثمار الصغير يوفّر عليك أيامًا من إطفاء الحرائق لاحقًا. طوّر عادة "المراجعة بعد الانتهاء" في كل مرحلة من مراحل المشروع: ماذا سار بشكل صحيح؟ وماذا سنفعل بشكل مختلف في المرة القادمة؟ هذه الجلسات تُحوّل كل مشروع إلى تجربة تعليمية تُراكم رأس المال المعرفي للفريق.

واحرص على بناء علاقة ثقة حقيقية مع عميلك أو راعي المشروع، لأن العلاقة الجيدة هي ما يُتيح لك إيصال الأخبار السيئة مبكرًا دون أن تتحول إلى أزمة، وإيصال الأخبار السيئة مبكرًا هو بالضبط ما يُنقذ المشاريع.


خلاصة: المشاريع الناجحة لا تعتمد على الحظ

المشاريع الناجحة لا تنجح لأن أصحابها محظوظون أو لأن كل شيء سار كما خُطط له بالضبط، بل تنجح لأن فِرَقها بنت قدرة حقيقية على الاستشعار المبكر والتكيف السريع والتواصل الصريح. الهدف لم يكن يومًا الوصول إلى خط النهاية دون أي عقبات، بل الوصول إليه رغم كل العقبات.

في عالم تتسارع فيه التغيرات وتتشابك فيه التحديات، مدير المشروع الذي يتقن فن إدارة المخاطر والتكيف المدروس لا يُدير مشاريع فحسب، بل يبني ثقافة تنظيمية قادرة على الازدهار في عدم اليقين. وهذه مهارة لا تقدر بثمن.

التعليقات

يرجى تسجيل الدخول للتعليق.