سلاسل التوريد العالمية: كيف غيّرت جائحة واحدة قواعد التجارة الدولية إلى الأبد

1 views

في أوائل عام 2021، جلس مسؤولو شركة تويوتا اليابانية أمام معضلة لم تكن في أي سيناريو لإدارة المخاطر لديهم: مصنع واحد لرقائق أشباه الموصلات في تايوان تعطّل بسبب حريق محدود، فأوقف هذا الحريق الصغير خطوط إنتاج ضخمة لملايين السيارات حول العالم. الشركة التي اخترعت نظام "Just-in-Time"، أي التصنيع بالوقت المناسب دون تخزين مسبق، والذي طُبِّق لعقود كنموذج عالمي للكفاءة، وجدت نفسها فجأة تدفع ثمن هذه الكفاءة المفرطة.

هذه الحادثة ليست استثناءً، بل هي نموذج مصغّر لأزمة أعمق تكشّفت بعنف خلال السنوات الأخيرة: سلاسل التوريد العالمية التي بنيناها خلال عقود من العولمة المتسارعة كانت أكثر هشاشةً مما تخيّلنا، وأزمة كوفيد-19 لم تكن سوى المحرّك الذي كشف هذه الهشاشة للعيان.


كيف بنى العالم شبكة تجارية بالغة التعقيد؟

لفهم أين نحن اليوم، نحتاج أن نفهم كيف وصلنا إلى هنا. في أعقاب الحرب العالمية الثانية، سادت قناعة راسخة بأن التجارة الحرة بين الأمم هي أفضل ضمان للسلام والازدهار. تأسست منظمة التجارة العالمية، وانتشرت اتفاقيات التجارة الحرة، وانخفضت الرسوم الجمركية بشكل درامي. ثم جاء انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001 ليُطلق ثورة حقيقية في بنية الإنتاج العالمي.

فجأة، أصبح بإمكان شركة أمريكية أن تُصمّم منتجها في كاليفورنيا، وتستخرج موادها الخام من أستراليا وأفريقيا، وتُصنّع مكوناتها في كوريا واليابان، وتُجمّعها في الصين، وتُسوّقها للمستهلك الأوروبي، وكل هذا بتكاليف أقل بكثير مما لو صنعته كله محليًا. النموذج كان عبقريًا من منظور الكفاءة الاقتصادية، لكنه كان يبني اعتمادًا متبادلًا بالغ الدقة والتعقيد، لا يحتمل أي صدمة غير متوقعة.


الجائحة: الاختبار الذي فضح كل الافتراضات

حين انتشر كوفيد-19 وأغلقت المصانع الصينية أبوابها في مطلع 2020، بدأت التداعيات تتكشّف كحلقات متتالية لا تتوقف. الصناعة الصيدلانية العالمية اكتشفت أن 80% من المواد الخام للأدوية الأساسية تأتي من الصين والهند. صناعة السيارات الأوروبية اكتشفت أنها تعتمد بشكل شبه كلي على مورد وحيد أو اثنين من موردي المكونات الحيوية. حتى صناعة الغذاء في دول الخليج العربي اكتشفت مدى اعتمادها على خطوط شحن تمر عبر موانئ بعينها لا بديل عنها.

لكن الأزمة لم تكن كوفيد فحسب. جاءت تلوها سلسلة من الصدمات كشفت مدى هشاشة النظام: احتجاز سفينة "إيفر غيفن" في قناة السويس لأسبوع عام 2021 أوقف نحو 12% من التجارة البحرية العالمية. الحرب الروسية الأوكرانية قطعت إمدادات القمح والزيت النباتي والنيون (المادة الأساسية في صناعة الرقائق) عن أجزاء واسعة من العالم. والتوترات المتصاعدة بين أمريكا والصين بدأت تُلقي بظلالها على مستقبل سلسلة توريد التكنولوجيا برمّتها.


التحولات الكبرى: كيف يُعيد العالم رسم خريطة تجارته؟

الأزمات المتتالية أطلقت موجة من إعادة التفكير الجذري في بنية سلاسل التوريد، وتتجلى هذه الإعادة في عدة توجهات متوازية:

"Reshoring" و"Nearshoring": العودة إلى القرب بعد عقود من نقل الإنتاج إلى أبعد نقطة ممكنة بحثًا عن أقل تكلفة ممكنة، بدأت الشركات والحكومات تُعيد حساباتها. "Reshoring" يعني إعادة الإنتاج إلى البلد الأصلي، و"Nearshoring" يعني نقله إلى دول مجاورة جغرافيًا. أمريكا بدأت تُحفّز إعادة تصنيع الرقائق الإلكترونية على أراضيها عبر قانون "CHIPS Act" الذي رصد 52 مليار دولار لهذا الغرض. أوروبا تسعى لزيادة اعتمادها الذاتي في صناعة البطاريات والأدوية والمنتجات الغذائية الأساسية.

تنويع المصادر: نهاية "المورد الواحد" المبدأ الذي كان يقول "ابحث عن أرخص مورد وركّز عليه" بدأ يتراجع أمام مبدأ جديد: "تنوّع مصادرك حتى لو دفعت أكثر قليلًا". الشركات الكبرى باتت تُعيد تصميم عقودها بحيث لا تزيد حصة أي مورد واحد على 30-40% من احتياجاتها من مكوّن حيوي.

"China Plus One": إستراتيجية التحوط من التركّز كثير من متعددات الجنسيات تعتمد اليوم ما يُسمى إستراتيجية "China Plus One"، أي الإبقاء على تصنيع جزء من منتجاتها في الصين مع فتح خطوط إنتاج موازية في دول كفيتنام وإندونيسيا والمكسيك والمغرب والهند. فيتنام وحدها استقطبت استثمارات صناعية ضخمة من سامسونج وإنتل وفوكسكون خلال السنوات الأخيرة.

الرقمنة والشفافية: رؤية ما كان مخفيًا أحد الدروس المؤلمة كان أن كثيرًا من الشركات لم تكن تعرف حقًا من هم موردو مورديها. أنت تعرف شركاءك المباشرين، لكن من يُمدّ شريكك؟ ومن يُمدّ المُمدّ؟ تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي وسلسلة الكتل (Blockchain) باتت تُستخدم لبناء خرائط شاملة ومُحدَّثة لكل مستويات سلسلة التوريد، مما يُتيح رصد المخاطر قبل أن تتحول إلى أزمات.


الفرص العربية في خريطة إعادة الرسم

إعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية ليست تهديدًا للدول النامية فحسب، بل تحمل في طياتها فرصًا استثنائية لمن يُحسن قراءة المشهد والتموضع الصحيح.

المغرب أصبح لاعبًا محوريًا في سلسلة تصنيع السيارات الأوروبية، إذ تجاوزت صادراته من قطاع السيارات 10 مليارات دولار سنويًا، مستفيدًا من موقعه الجغرافي القريب من أوروبا وبنيته التحتية المتطورة. مصر تستثمر موقعها الفريد في تقاطع ثلاث قارات لجذب مصانع التجميع والصناعات التحويلية. الإمارات وسّعت دورها من مركز تجاري إلى مركز لوجستي وتصنيعي متكامل، وتستهدف أن تكون نقطة توزيع رئيسية للتجارة بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.

الدول العربية التي تمتلك ميناء استراتيجيًا أو موقعًا وسطيًا أو قوى عاملة شابة تجد نفسها أمام نافذة فرصة نادرة، لكن استثمار هذه الفرصة يتطلب سياسات صناعية جريئة وبيئة تنظيمية محفّزة وبنية تحتية على مستوى التحدي.


التوترات الجيوسياسية: حين تصبح التجارة سلاحًا

أحد أكثر التطورات إثارةً للقلق في المشهد الراهن هو توظيف التجارة أداةً في الصراعات الجيوسياسية. فرض الرسوم الجمركية الأمريكية على البضائع الصينية ثم الردّ الصيني المقابل، وحظر تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى الصين، وتقييد الصين لتصدير معادن نادرة حيوية لصناعة التكنولوجيا، كلها إشارات على أن عصر الفصل الكامل بين السياسة والتجارة قد ولّى.

المصطلح الذي يتصدر نقاشات الاقتصاديين اليوم هو "Friendshoring"، أي توجيه سلاسل التوريد نحو الدول الحليفة سياسيًا حتى لو كان ذلك على حساب الكفاءة الاقتصادية البحتة. هذا التوجه يُنذر بعالم تجاري منقسم إلى كتل اقتصادية متنافسة، وهو سيناريو له تكاليف باهظة على الاقتصاد العالمي بأسره وعلى الدول النامية بشكل خاص.


درس الكفاءة مقابل المرونة: المعادلة الجديدة

ربما يكون الدرس الأعمق الذي علّمتنا إياه الأزمات المتتالية هو أن الكفاءة القصوى والمرونة لا يجتمعان بالمعنى الكامل. الكفاءة تقول: اعمل بلا مخزون، اعتمد على مورد واحد يُعطيك أفضل سعر، ركّز إنتاجك في الموقع الأرخص. المرونة تقول: احتفظ بمخزون استراتيجي، تنوّع في مصادرك حتى لو دفعت أكثر، وزّع إنتاجك جغرافيًا حتى لو كان ذلك أقل كفاءةً.

الشركات التي ستنجح في العقود القادمة هي تلك التي ستجد التوازن الصحيح بين الكفاءة والمرونة، لا تلك التي تُعظّم طرفًا واحدًا على حساب الآخر تمامًا. وهذا التوازن ليس رقمًا ثابتًا بل معادلة متغيرة تختلف بحسب القطاع ودرجة حيوية المنتج وطبيعة المشهد الجيوسياسي.


خاتمة: نحو تجارة عالمية أكثر نضجًا

التجارة الدولية لن تتراجع ولن تنتهي، فالمكاسب الاقتصادية للتخصص وتبادل المنافع حقيقية وموثّقة، لكنها ستتغير شكلًا ومضمونًا. نحن نشهد ولادة نظام تجاري عالمي جديد يُعيد الاعتبار لعوامل ظلّت مُهمَلة طويلًا: الأمن الاقتصادي، والاعتبارات الجيوسياسية، والمرونة في مواجهة الصدمات، والبُعد البيئي لسلاسل التوريد.

بالنسبة لصانعي القرار في الشركات والحكومات العربية، الرسالة واضحة: لا تنتظروا أن تُرسَم الخارطة الجديدة ثم تتموضعوا فيها، بل شاركوا في رسمها الآن. بناء قدرات تصنيعية حقيقية، وتطوير بنية لوجستية متكاملة، وتهيئة بيئة أعمال جاذبة للاستثمار الصناعي، كل هذه ليست رفاهية بل ضرورة استراتيجية في عالم يُعيد تشكيل نفسه بسرعة لم نشهد مثلها منذ نهاية الحرب الباردة.

التعليقات

يرجى تسجيل الدخول للتعليق.