انتقل للمحتوى

علم التخمير: الفن القديم الذي يُحوّل مطبخك إلى صيدلية طبيعية وأمعاءك إلى حديقة مزهرة

2 مشاهدات التغذية والطهي

قبل أن يعرف الإنسان شيئاً عن البكتيريا أو الميكروبيوم أو البروبيوتيك، كان يُخمّر طعامه. قبل عشرة آلاف سنة، اكتشف أجدادنا بالصدفة أن الحليب الذي يُترك يتحوّل إلى شيء أكثر حموضة وأطول عمراً وأغنى طعماً. وأن العنب المسحوق يُنتج سائلاً يُفرح القلب. وأن الخضروات المغمورة في الماء المالح تحتفظ بنضارتها أشهراً.

لم يكونوا يعلمون أنهم يُجرون تحولات كيميائية دقيقة بمساعدة كائنات لا تُرى بالعين. لكنهم كانوا يعلمون شيئاً واحداً مهماً: هذا الطعام يجعلهم يشعرون بصحة أفضل.

اليوم، يُعيد العلم الحديث اكتشاف ما عرفه أجدادنا بالتجربة — ويُضيف إليه طبقات من الفهم تجعل التخمير أحد أكثر الموضوعات إثارة في عالم التغذية المعاصرة.

ما الذي يحدث فعلاً في وعاء التخمير؟

التخمير في جوهره هو عملية تحوّل يقودها الكائنات الدقيقة — البكتيريا والخمائر والفطريات — حين تُهضم السكريات والنشويات في الطعام وتُحوّلها إلى أحماض أو كحولات أو غازات. هذا التحوّل ليس مجرد تغيير كيميائي — إنه تغيير جذري في هوية الطعام نفسه.

الحليب حين يتخمر لا يصبح حليباً أكثر حموضة فحسب — بل تتكسّر بروتيناته إلى أشكال أبسط يسهل هضمها، وتتحوّل بعض سكرياته إلى مركبات جديدة، وتتضاعف فيه فيتامينات بعينها. الملفوف حين يتحوّل إلى مخلل الكراوت لا يحتفظ بفيتامين C فقط بل تنشأ فيه مركبات لم تكن موجودة في الملفوف الطازج أصلاً.

الكائنات الحية الدقيقة المسؤولة عن هذا التحوّل ليست عشوائية — كل نوع من أنواع التخمير يحتضن مجتمعاً محدداً من الكائنات التي تعمل معاً في تناغم دقيق. بكتيريا اللاكتوباسيلوس المسؤولة عن تخمير الزبادي تختلف عن خمائر السكاروميسيس المسؤولة عن تخمير الخبز المخمّر، لكن كلاهما يؤدي دوراً محورياً في تحويل شيء عادي إلى شيء استثنائي.

الميكروبيوم: الحضارة الخفية بداخلك

لفهم لماذا التخمير مهم، لا بد أن نتوقف عند واحد من أكثر الاكتشافات العلمية إذهالاً في القرن الحادي والعشرين: أن جسمك يحمل داخله حضارة كاملة من الكائنات الدقيقة.

عدد الكائنات الدقيقة التي تسكن أمعاءك يتجاوز العدد الإجمالي لخلايا جسمك كله — نحو 38 تريليون كائن، معظمها في الأمعاء الغليظة. هذا المجتمع الهائل لا يستأجر مكاناً في جسمك فحسب — بل يُشارك في إدارته. يُنتج فيتامينات لا يستطيع جسمك تصنيعها، ويُنظّم المناعة، ويُرسل إشارات إلى الدماغ عبر ما يُعرف بمحور الأمعاء والدماغ، بل وتُشير أبحاث حديثة إلى دوره في التأثير على المزاج والسلوك.

وماذا تأكل هذه الحضارة الخفية؟ الألياف بالدرجة الأولى، والمركبات المُعقّدة الموجودة في النباتات — لكنها تزدهر أيضاً وتتنوع بشكل لافت حين تتلقى دفعات منتظمة من الكائنات الحية النافعة عبر الأغذية المخمّرة.

أبطال التخمير حول العالم وعلى موائدنا

الزبادي هو الأكثر شيوعاً ولعل الأكثر دراسةً علمياً. بكتيريا اللاكتوباسيلوس بولغاريكوس والستربتوكوكوس ثرموفيلوس تُحوّل الحليب إلى هذا الطعام المتكامل. لكن الفارق الجوهري الذي يتجاهله كثيرون هو الفرق بين الزبادي الحي الذي تُصنعه في بيتك أو تشتريه طازجاً دون معالجة حرارية، وبين المنتجات المُبسترة بعد التخمير التي تُقتل فيها الكائنات الحية قبل أن تصلك — فتحصل على الطعم دون الفائدة الحيوية الكاملة.

الكيفير هو ابن عم الزبادي لكنه أكثر قوةً وتنوعاً. ينشأ من حبوب الكيفير — تكتلات غريبة الشكل تشبه قرنبيط صغيراً — تحتضن مجتمعاً من عشرات الأنواع من البكتيريا والخمائر تعمل معاً. الكيفير أقل كثافةً من الزبادي، وأكثر حموضة، وتُشير الأبحاث إلى أنه يُستوعب حتى من الأشخاص الذين يعانون من عدم تحمل اللاكتوز لأن الكائنات الحية فيه تُهضم معظم السكر اللبني.

المخللات بالطريقة التقليدية — لا تلك المُعلّبة بالخل الصناعي — هي من أبسط أشكال التخمير وأكثرها إمكانية للتطبيق المنزلي. الخيار، والملفوف، والجزر، والليمون، والزيتون — أي خضار أو ثمرة يمكنها أن تتخمر في محلول ملحي بسيط. هذه هي الطريقة التي حفظت بها البشرية طعامها قبل اختراع الثلاجة، وكانت تُمدّ الناس في الشتاء بفيتامينات وكائنات حية كانوا يحتاجونها دون أن يعرفوا اسمها.

الكومبوتشا شاي مُخمَّر ينشأ بمساعدة كتلة هلامية تُعرف بـ SCOBY — اختصاراً لـ "مستعمرة تكافلية من البكتيريا والخمائر". شرابٌ يجمع الحموضة الخفيفة مع الفوران الطبيعي، وقد انتشر انتشاراً واسعاً في السنوات الأخيرة كبديل صحي للمشروبات الغازية. وإن كانت الأبحاث العلمية حوله لا تزال في طورها المبكر، فإن تاريخه في الاستخدام الإنساني يمتد قروناً.

الخبز المخمّر أو ما يُعرف بخبز العجين المنقوع هو أحد أعمق تجليّات التخمير في مطبخنا. حين تُترك العجينة لتتخمر لساعات طويلة بمساعدة الخمائر البرية والبكتيريا الموجودة طبيعياً في الدقيق والهواء، تحدث معجزة هادئة: الغلوتين يتكسّر جزئياً ويصبح أسهل هضماً، وحمض الفيتيك المُثبّط لامتصاص المعادن يتحلل، وتتطور نكهات لا يمكن لأي خبز صناعي سريع التحضير أن يُحاكيها.

العلم يُثبت ما عرفه الأجداد

دراسة مثيرة نشرتها مجلة Cell في عام 2021 قارنت تأثير نظام غذائي غني بالأغذية المخمّرة مع نظام غذائي غني بالألياف على مجموعتين من المشاركين لعشرة أسابيع. النتيجة؟ المجموعة التي تناولت الأغذية المخمّرة أظهرت تنوعاً أكبر بوضوح في ميكروبيوم أمعائها، وانخفاضاً ملموساً في علامات الالتهاب في الجسم — وهي علامات مرتبطة بطيف واسع من الأمراض المزمنة.

بحوث أخرى ربطت الاستهلاك المنتظم للأغذية المخمّرة بتحسين المناعة، وانخفاض خطر أمراض الجهاز الهضمي المزمنة، وتحسين الصحة النفسية عبر محور الأمعاء والدماغ. هذا الأخير يبدو مفاجئاً لكنه في الحقيقة منطقي حين تعلم أن نحو 90 بالمئة من السيروتونين — هرمون السعادة — يُنتج في الأمعاء لا في الدماغ.

كيف تبدأ في مطبخك الآن؟

التخمير المنزلي أبسط بكثير مما يتخيله معظم الناس، ولا يحتاج معدات خاصة أو معرفة متقدمة للبداية.

أبسط تجربة تبدأ بها هي المخلل الطبيعي. خذ كوباً من الخيار المقطّع، وضعه في جرة زجاجية نظيفة، واصنع محلولاً من ماء مُصفّى وملح غير مُعالج بنسبة ملعقتين من الملح لكل كوب ماء، وأضف إليه ثوماً وأعشاباً حسب ذوقك. اسكب المحلول ليُغطي الخضار كاملاً، وضع وزناً خفيفاً عليها لإبقائها مغمورة، وغطِّ الجرة بقماش يسمح للهواء بالمرور. اتركها على المنضدة بعيداً عن الشمس المباشرة في درجة حرارة الغرفة. بعد يومين أو ثلاثة ستبدأ فقاعات صغيرة بالظهور — تلك هي علامة التخمير الصحي. بعد ثلاثة إلى سبعة أيام حسب درجة الحرارة وتفضيلك لشدة الحموضة، يكون مخللك جاهزاً وحياً.

لصنع الزبادي المنزلي، تحتاج فقط إلى حليب ومِلعقة من الزبادي الحي كمحفّز. سخّن الحليب حتى تبدأ بخار خفيف ثم دعه يبرد حتى يصبح دافئاً كماء الاستحمام المريح. أضف ملعقة الزبادي وحرّك جيداً، واحتفظ بالخليط في مكان دافئ بعيداً عن التيارات الهوائية لست إلى ثماني ساعات. ما ستجده في الصباح هو زبادي حي نابض بالكائنات النافعة وبنكهة تفوق بمراحل ما تشتريه جاهزاً.

اعتبارات السلامة التي يجب معرفتها

التخمير آمن حين يتم بالطريقة الصحيحة، لكن ثمة قواعد أساسية لا تنازل عنها. النظافة التامة للأدوات والأواني هي الأساس — الكائنات الضارة تجد مكاناً حين تجد بقايا طعام قديمة أو أواني لم تُنظَّف جيداً. في المخللات الملحية، الأهمية القصوى لإبقاء الخضار مغمورة تحت المحلول كاملاً — أي جزء يتعرض للهواء قد يُصيبه العفن. وثق بحواسك: الرائحة النافذة الكريهة المختلفة عن الحموضة الطبيعية، أو تغيّر لون غير مألوف، أو طعم مُقلق — كلها إشارات للتخلص من الدفعة والبدء من جديد.

الأشخاص الذين يعانون من ضعف المناعة أو الذين يتناولون أدوية بعينها يُستحسن مناقشة طبيبهم قبل زيادة كميات الأغذية المخمّرة في نظامهم الغذائي بشكل كبير.

خاتمة: عودة إلى ما نسيناه

هناك شيء عميق في فكرة أن أصحّ ما يمكنك فعله لأمعائك وصحتك العامة كان يعرفه جدّك وجدّ جدّك قبل أن يعرفه العلم الحديث بآلاف السنين. التخمير ليس موضة صحية عابرة — إنه جزء من العقد القديم بين الإنسان وطعامه، عقد نقضناه جزئياً حين انتقلنا إلى الأغذية المُعالجة والمُبسترة والمُعقّمة من كل كائن حي.

إعادة التخمير إلى مطبخك ليست رجوعاً إلى الماضي — إنها قرار واعٍ بتغذية ليس جسدك فقط بل الحضارة الكاملة التي تعيش بداخلك والتي تُدار صحتك من خلالها.

ابدأ بجرة خيار ومحلول ملحي. دع الوقت يفعل ما يُجيده. ثم استمع لما سيقوله جسدك.

التعليقات

يرجى تسجيل الدخول للتعليق.